محمد بن جرير الطبري
9
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
سمعت الضحاك يقول في قوله : وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام يقول : لم أجعلهم جسدا ليس فيهم أرواح لا يأكلون الطعام ، ولكن جعلناهم جسدا فيها أرواح يأكلون الطعام . قال أبو جعفر : وقال وما جعلناهم جسدا فوحد الجسد وجعله موحدا ، وهو من صفة الجماعة ، وإنما جاز ذلك لان الجسد بمعنى المصدر ، كما يقال في الكلام : وما جعلناهم خلقا لا يأكلون . وقوله : وما كانوا خالدين يقول : ولا كانوا أربابا لا يموتون ولا يفنون ، ولكنهم كانوا بشرا أجسادا فماتوا وذلك أنهم قالوا لرسول الله ( ص ) ، كما قد أخبر الله عنهم : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . . . إلى قوله : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا قال الله تبارك وتعالى لهم : ما فعلنا ذلك بأحد قبلكم فنفعل بكم ، وإنما كنا نرسل إليهم رجالا نوحي إليهم كما أرسلنا إليكم رسولا نوحي إليه أمرنا ونهينا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وما كانوا خالدين : أي لا بد لهم من الموت أن يموتوا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين ) * . يقول تعالى ذكره : ثم صدقنا رسلنا الذين كذبتهم أممهم وسألتهم الآيات ، فأتيناهم ما سألوه من ذلك ثم أقاموا على تكذيبهم إياها ، وأصروا على جحودهم نبوتها بعد الذي أتتهم به من آيات ربها ، وعدنا الذي وعدناهم من الهلاك على إقامتهم على الكفر بربهم بعد مجئ الآية التي سألوا . وذلك كقوله جل ثناؤه : فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وكقوله : ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ونحو ذلك من المواعيد التي وعد الأمم مع مجئ الآيات . وقوله : فأنجيناهم يقول تعالى ذكره : فأنجينا الرسل عند إصرار أممها على تكذيبها بعد الآيات ، ومن نشاء وهم